لن يأتي اليوم الممطر في ذلك الشتاء القارس، الذي تقابل فيه الفتاة التي تراها مبتلة ومنكمشة، فتعطيها معطفك لتنشأ قصة حب تسير بها الركبان.

ولن تقابلي ذلك الشاب الوسيم مفتول العضلات، الذي يصطدم كتفه في كتفك فتتساقط أوراقك وتتبعثر، فيجمعها لكِ كبداية لعشقه لك عشقاً يفوق عشق قيس لليلى.

وانسَ أيضاً أن تلقي التحية إلى فتاة جميلة تجلس وحدها بمطعم، فترحب بك وتتذكر أنها رأتك في أحلامها، وتتبادلان النظرات التي تتكلم بكل شيء، في ظلال موسيقى هادئة وشموع مضيئة.

هذه المواقف تتحطم على صخرة الواقع، وليس لها وجود إلا في الأفلام والأغاني، التي يتاجرون فيها بأحلام الإنسان الذي يبحث دوماً عن الحب من الآخرين كطبيعة متجذرة فيه، فما أن تبدأ الأغنية بذكر المحبوب وما أن يعرض الفيلم علاقة الحب، إلا ويذهب الشخص المستمع أو المشاهد بعقله بعيداً ويتخيل نفسه في نفس الموقف فيتحرك قلبه وترق مشاعره.

علاقات الحب في الواقع الحقيقي، تجد فيها خلافات ربما يومية، تقف عند الألفاظ أحياناً، وتتطور إلى أكثر من ذلك أحياناً أخرى، لا تختلف في ذلك بلاد الشرق عن بلاد الغرب، الأبيض كالأسود. وليست كلها خلافات بل هناك مواقف تفاهم وود وألفة وساعات جميلة ورائعة للغاية أيضاً.

ومع ذلك يقرر كثير من المتحابين الزواج والعيش سوياً ما تبقى من عمرهم، لا لأنهم يعيشون قصة حب خيالية كما تصورها الروايات والقصائد، بل لأنهم وجدوا أن مساحات الاتفاق بينهم أكثر من مساحات الاختلاف، وأنهم يقبل بعضهم بعضاً، ويعجب بعضهم ببعض، ما يكفي لجعلها علاقة تتطور إلى مزيد من المودة والرحمة.

لذلك من قديم الزمان وإلى سنوات قريبة كان الزواج بسيطاً للغاية، قبل أن تتسرب إلينا المفاهيم الغربية، وقبل أن نسمع مَن ينادي بأهمية الدخول في علاقة جنسية بين الشخصين قبل الزواج ليعرف كل منهما الآخر، كان يسمع الشخص عن بيت أهله معروفون بالخير ويعلم أن لديهم فتاة، فيذهب ليراها وتراه، ويكلمها وتكلمه، ويسأل عنها وتسأل عنه، ويحدث الزواج، ويتعرفان أكثر إلى بعضهما وتنشئ الحياة بينهما علاقة وطيدة يوماً بعد يوم، ويتعلقان ببعضهما كلما مرا بمرحلة جديدة في حياتهما. بل ربما يذهب الرجل الذي لديه فتاة قد بلغت سن الزواج إلى رجل ذي أخلاق ويعرض عليه أن يتزوج ابنته، نعم بهذه البساطة والسهولة، لا يرون في ذلك انتقاصاً أو عيباً.

وبنظرة إلى جدك وجدتك ووالدك ووالدتك سترى -غالباً- كيف كان ذلك الأمر متجسداً، وكيف كانت الأمور سهلة وواقعية، وتدرك معنى الحب على حقيقته بعيداً عن الأفلام وصور القبلات والفيديو كليب، أيام وردية وأخرى صعبة، مواقف جميلة وأخرى عصيبة، تحديات ونجاحات ومخاض، حياة كاملة وعلاقة قوية، بعكس العلاقات الهشة التي نراها هذه الأيام وتزداد حالات الطلاق بصورة بشعة، رغم قصص الحب “الوهمية” التي عاشتها هذه الحالات قبل الزواج، وهو ليس حباً حقيقياً بقدر ما كان إعجاباً وقتياً بالطرف الآخر.